الخميس، 3 نوفمبر، 2016

#نجيب_محفوظ وفن صناعة العبقرية Naguib Mahfouz, the art of industry genius




فى الذكرى العاشرة لرحيل نجيب محفوظ
#نجيب_محفوظ وفن صناعة العبقرية
Naguib Mahfouz, the art of industry genius
صطلح صناعة العبقرية قد يبدو أنه مصطلح متناقض، لأن هناك من يتصور أن العبقرية هبة فطرية ، بل أنها - وعند نجيب محفوظ خاصة - خاصية مكتسبة وبجهد إرادي وبوعي موجه كان يتحقق بالتدريج. وبذلك وصل نجيب محفوظ، ومن البداية، إلى التكاملية الإبداعية من خلال الوعي, والإرادة, والحركة في اتجاه المستقبل.
هذه العبقرية التى جسدت الحارة المصرية .. تلك التركيبة العبقرية .. الجامعة للمتناقضات .. الآسرة للروح .. المستحوذة على الحواس، تلك الحالة الخاصة الفريدة فى العالم بخصوصية زمانها و مكانها ، أبت أن تستسلم لرياح التغيير لفترة كبيرة، و حين شعرت أنها مندثرة لا محالة، قررت أن تخلِّد نفسها ؛ فأنجبت من يماثلها فى العبقرية حتى يقوم بتأريخها فى أكثر أشكال التأريخ جمالا .. الأدب ، إنه عاشق المشربيات و الفتوات و التكايا و المقاهى .. إنه الفانى فى الحسين و الجمالية و العباسية و السيدة زينب .. إنه من سمح للعالم أن ينهل من الروح المصريَّة بروائح عطارتها و بديع معمارها و تمايل متصوفيها ، إنه أديب نوبل .. نجيب محفوظ.
شهد العام 1911 ولادة أديبنا العظيم نجيب محفوظ ، بحى الجمالية بالقاهرة ، لأب محب للسياسة غير ميَّال للقراءة ، و أم تتمتع بحرية نسبية بالنسبة لنساء ذلك العصر ؛ حيث كانت دائمة الذهاب إلى المتحف المصرى مصطحبة طفلها نجيب معها ، و كانت تجلس بالساعات داخل غرفة المومياوات ، فكبر أديبا محبا للتاريخ الفرعونى حبا شديدا ، حتى أنه قام بدراسته كاملا دراسة المتخصص.
فى الثانية عشرة إنتقل محفوظ مع أهله إلى حى العباسية ، و من هناك بدأت زياراته لحى الحسين الذى عشقه عشقا شديدا ، فكان دائم التردد عليه و السهر على مقاهيه ، خصوصا فى شهر رمضان حيث كانت تمتد السهرة إلى فجر اليوم التالى.
فى أحد الأيام رأى محفوظ أحد أصدقائه يقرأ رواية بوليسية فاستعارها منه ، و استمتع بها للغاية ، فانهال على باقى روايات تلك السلسة حتى أتمها ثم أخذ فى البحث عن سلاسل أخرى ، و بعد أن يقراء كل رواية كان يعيد كتابتها مع تعديلات بسيطة ، ثم يكتب على الغلاف ، تأليف : نجيب محفوظ.
بعد ذلك اتجه إلى قراءة المفكرين أمثال طه حسين و العقاد ، فما كان منه إلا أن فُتن بالفلسفة، و كانت هذه المرحلة هى بداية صراعه الداخلى بين الفلسفة المحترمة جدا فى الحياة الأدبية ، و القصة التى كانت غير محترمة بالقدر الكافى فى ذلك الوقت ، حتى أنه قرر دخول كلية الآداب قسم الفلسفة فى مفاجأة هزت كل من حوله ، و خصوصا مع تفوقه الشديد ، أراد محفوظ أن يدخل الآداب ليجد الإجابة على سؤال واحد .. ما هو سر الوجود ؟ ، كان يعتقد أنه كما يتعلم الطب طالب الطب ، يتعلم سر الوجود طالب الفلسفة.
تم ينتهى الصراع بين الأدب و الفلسفة بدخوله كلية الآداب ، بل على العكس تماما ؛ إزداد شدة ، إلى أن وصل للسنة الأخيرة له بالجامعة ، حينها أدرك ميله الحاد للأدب ؛ فحسم الصراع لصالحه عام 1936.
لم تكن هذه النقطة فى خط حياة أديبنا هى نقطة الراحة ، بل كانت نقطة التحول نحو تعب جديد ، كان يشعر أن الفلسفة قد أضاعت الكثير من وقته ، فهو الآن فى الخامسة و العشرين ، و لم يبدأ حتى فى قراءة عيون الأدب المعروفة ، لكنه لم يستسلم قط ، فشمَّر عن ساعدى الجد و الاجتهاد ، الوظيفة صباحا ، و القراءة و الكتابة باقى اليوم ، كان يسير على غير هدى ، فلم يكن يعلم من أين يبدأ ، حتى اهتدى إلى كتاب يؤرخ للأدب العالمى حتى عام 1930 ، فتعلم الإنجليزية ثم الفرنسية ليقرأ عيون الأدب العالمى فى لغتها الأصلية مستعينا بهذا الكتاب .
ولم يكن للرواية وجودا يذكر فى مصر و لا فى العالم العربى وقتها ، لم تظهر إلا بعض المحاولات المنفردة هنا و هناك

و فيما يلى نلخص فلسفته فى الكتابة علها تكون نبراسا للأدباء الشباب ، يقول نجيب محفوظ :
- كيف أغوص إلى واقع لم يوصف فى ظاهره ، و لم تُرصد علاقاته ، … الغوص إلى الداخل يبدو منطقيا مع بطل جويس لأنه منطو و منغلق ، المهم أن يدرك الكاتب الأسلوب المناسب للتعبير عن موضوعه و عن نفسه.
- كنت أتصور أن هناك رواية صح ، و رواية غير صح ، الآن .. تغيرت النظرية ، الرواية الصحيحة هى النابعة من نغمة داخلية ، فلا أنا أقلد المقامة ، و لا أقلد جويس.
- من أغرب الأسئلة التى أسمعها ، واحد يسأل ” إنت عايز تقول إيه فى القصة دى ؟ ” ، طيب ما أنا لو عاوز أقول حاجه معينه أقولها فى جملة أو مقالة ، و خلاص.
- عندما أكتب لا أعبأ بشىء.
بدأ نجيب محفوظ مشواره الأدبى بنشر القصص القصيرة و المقالات فى المجلات المختلفة ، ثم بدأ نتاجه الروائى بثلاث روايات تاريخية عن مصر القديمة و هى على التوالى : عبث الأقدار ، رادوبيس ، كفاح طيبة ، فى إطار مشروع لكتابة تاريخ مصر لكنه توقف بعد ذلك و أعاد تقييم مشروعه الإبداعى ، لأنه شعر أن التاريخ لم يعد كافيا كوعاء يحمل ما يريد قوله ، فكتب خان الخليلى ، و أتبعها بالقاهرة الجديدة ، ثم توالت أعماله التى وصل عددها إلى 38 رواية و 13 مجموعة قصصية ، استطاعت أن تصور التاريخ الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لمصر خلال القرن الماضي ، بل و نقلته للعالم أجمع حيث تمت ترجمتها إلى زهاء 33 لغة ، هذا بالإضافة إلى تسجيلها بمكتبة الكونجرس الأمريكى باعتباره أحد الكتاب البارزين فى العالم ، و مع كل هذا الكم الكبير من الإبداع السردى تظل أقرب أعماله إلى قلبه هى : الثلاثية ، و الحرافيش ، و أولاد حارتنا ، و حكايات حارتنا.

كان نجيب محفوظ قد حصل قبل عام 1988 على العديد من الجوائز القيمة كجائزة الدولة التشجيعية فى الآداب عام 1957 ، و وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى عام 1962 ، و جائزة الدولة التقديرية فى الآداب عام 1968 ، و وسام الجمهورية من الدرجة الأولى عام 1969 ، ثم جائزة نوبل عام 1988 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق